المشاركات

استشراف المستقبل في التعليم

صورة
  لم يعد التعليم مجالًا ثابتًا تحكمه مناهج  أو أساليب  تقليدية ، بل أصبح ميدانًا يتغير باستمرار مع تسارع التطور التقني، وتحولات سوق العمل، وتبدل تطلعات المتعلمين واحتياجاتهم. وفي ظل هذا الواقع المتجدد، لم يعد استشراف مستقبل التعليم مجرد فكرة نظرية، بل أصبح ضرورة تربوية واستراتيجية لضمان إعداد أجيال قادرة على التكيف مع عالم سريع التغير والمشاركة في صناعته. استشراف المستقبل في التعليم يعني الانتقال من التخطيط القائم على الواقع الحالي إلى بناء تصورات تعليمية تستجيب لما هو قادم. إنه القدرة على قراءة الاتجاهات، مثل التعلم الرقمي، والتعليم المرن، والذكاء الاصطناعي، ثم دمجها في السياسات التعليمية والممارسات الصفية بطريقة واعية ومتوازنة. المدرسة والجامعة اليوم مطالبتان بتجاوز دور نقل المعرفة إلى بناء مهارات المستقبل، وفي مقدمتها التفكير النقدي، والتعلم الذاتي، والقدرة على التكيف، والعمل التعاوني. وهذه المهارات لا تُكتسب عبر المناهج وحدها، بل عبر بيئات تعليمية محفزة، يقودها معلمون وقادة تربويون يمتلكون رؤية مستقبلية. كما أن استشراف المستقبل يتطلب تطويرًا مهنيًا مستمرًا للعاملي...

حين يبدأ التغيير بسؤال !

صورة
     قصة معلم آمن بأن الوعي هو البداية،  في إحدى المدارس الواقعة على أطراف المدينة، كان اليوم الدراسي يمضي بوتيرة معتادة: حصص متتابعة، اختبارات، واجبات، ثم انصراف . كل شيء يبدو منظمًا، لكن بلا تساؤل عميق عمّا يُبنى في عقول الطلاب ووعيهم. في أسبوعه الأول، لم يسعى المعلّم محمد إلى تغيير الجداول أو تعديل المناهج. اختار أن يراقب. لاحظ أن استهلاك المياه والطاقة في المدرسة يتم دون وعي كافٍ؛ فبعض الأنوار تُترك مضاءة دون حاجة، والمياه تُهدر أثناء الاستخدام. كما لاحظ وجود هدر في الطعام والنفايات دون محاولات جادة لإعادة الاستخدام أو التدوير ولاحظ أيضاً أن البيئة المدرسية تحتاج إلى عناية أكبر. كانت النباتات قليلة، ولا يشارك الطلاب في الاهتمام بها أو فهم دورها في حماية البيئة.تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس نمط تفكير أوسع. لم يُلقِ المعلم محمد محاضرة، ولم يرفع لافتات توعوية، ولم يستخدم لغة الوعظ. بدلًا من ذلك، خصّص عشر دقائق في نهاية إحدى الحصص، ونظر إلى طلابه بهدوء وقال: «لو استمرت هذه العادات عشر سنوات… كيف ستبدو مدرستنا؟ وكيف سيبدو مجتمعنا؟» ساد الصمت. لم يكن الطلاب معتادين على ...

الهوية المهنية القيادية في ظل رؤية المملكة 2030

صورة
  الهوية المهنية القيادية: من نكون عندما نقود؟ في زمنٍ تتسارع فيه التحولات المؤسسية وتُعاد فيه صياغة الأدوار المهنية، لم يعد القائد يُقاس بما ينجزه فقط، بل بمن يكون وهو ينجز . القيادة اليوم لم تعد إدارة مهام، بل بناء معنى، وصناعة اتجاه، وحضور واعٍ في لحظات القرار. ومن هنا، تبرز الهوية المهنية القيادية بوصفها البوصلة التي تحمي القائد من التشتت، وتمنحه الثبات وسط التغيير . فالمنصب قد يتغير، والمهام قد تتبدل، لكن الهوية المهنية الراسخة هي ما يبقى . إنها الإطار الداخلي الذي يحدد كيف نفكر، وكيف نقرر، وكيف نقود، خاصة في البيئات التي تتطلب وضوحًا أخلاقيًا، ومرونة فكرية، وشجاعة في التطوير . تنسجم الهوية المهنية القيادية الواعية بعمق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 ، التي لا تركّز على تطوير الأنظمة فقط، بل على بناء الإنسان القادر على القيادة، والتعلّم المستمر، وصناعة الأثر المستدام . فالرؤية لا تحتاج إلى منفذين فحسب، بل إلى قادة يعرفون ذواتهم المهنية، ويمارسون أدوارهم بوعي ومسؤولية . وحين تتكامل الهوية المهنية القيادية مع الرؤية الوطنية، لا يكون تغيّر المواقع انقطاعًا، بل امتدادًا ...

التعليم : هوية تُبنى وأثرٌ يمتد

صورة
 التعليم في جوهره تجربة إنسانية قبل أن يكون مسمى وظيفيًا. هو حضور يومي في حياة الآخرين، ومسؤولية هادئة تتشكل عبر الزمن، لا تُقاس بعدد الحصص ولا بساعات الدوام، بل بالأثر الذي يبقى. المعلم لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يشارك – غالبًا دون أن يشعر – في تشكيل وعي، وبناء ثقة، وفتح أفق جديد. ومع كل موقف تعليمي، ومع كل لحظة صمت أو حوار داخل الصف، تتكوّن هوية مهنية وإنسانية في آنٍ واحد. هذه الهوية لا تُمنح جاهزة، ولا تُبنى في دورة تدريبية واحدة، بل تنمو بالتجربة، وبالتأمل، وبالرغبة الصادقة في أن يكون التعليم فعلًا حيًا لا مهمة روتينية. فالمعلم يتغير مع كل طالب، ويتعلم من كل تجربة، ويعيد النظر في ذاته أكثر مما يعيد النظر في محتواه. التطوير المهني في هذا السياق ليس سباقًا نحو الشهادات، بل مسار هادئ من التعلم المستمر. قراءة تُحدث سؤالًا، تجربة تفتح فهمًا جديدًا، حوار بسيط يغيّر قناعة. هكذا ينمو المعلم، خطوة بعد خطوة، دون ضجيج. وعندما ينمو المعلم، ينعكس ذلك على من حوله. فالأثر الحقيقي للتعليم لا يظهر فورًا، بل يتراكم بصمت؛ في طالب أصبح أكثر وعيًا، في موقف اتسم بالإنصاف، في فكرة نمت في الوقت ال...

التعليم الذاتي كأحد مؤشرات الجاهزية القيادية

صورة
  في كل بيئة عمل، هناك أشخاص يمرّون بهدوء، لا يلفتون الانتباه بكثرة الحديث، لكن أفعالهم تقول الكثير . من بينهم أولئك الذين يختارون أن يتعلّموا ذاتيًا، بعيدًا عن القاعات التدريبية أو البرامج الرسمية، وفي أوقات لا يُطلب منهم فيها شيء . هؤلاء لا يسعون وراء شهادة، ولا ينتظرون توجيهًا مباشرًا، بل ينطلقون من قناعة صادقة بأن التطوير مسؤولية شخصية قبل أن يكون مطلبًا مؤسسيًا . لا ينبغي الاستهانة أبدًا بموظف يمارس التعليم الذاتي . فبينما ينتظر البعض فرص التدريب، يكون هو قد بدأ بالفعل في بناء نفسه، خطوة بخطوة . يقرأ، يتأمل، يجرّب، ويُراجع فهمه لمجاله . هذا السلوك لا يعكس حبّ التعلّم فقط، بل يكشف عن قيم إنسانية وقيادية عميقة؛ مثل الانضباط، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، والرغبة الصادقة في النمو . التعليم الذاتي في جوهره ليس مجرد اكتساب مهارات جديدة، بل هو تدريب يومي على قيادة الذات . الشخص الذي يدير تعلّمه بنفسه يتعلّم كيف ينظّم وقته، ويعترف بنقاط ضعفه، ويبحث ...