التعليم الذاتي كأحد مؤشرات الجاهزية القيادية
في كل بيئة عمل، هناك أشخاص يمرّون بهدوء، لا يلفتون الانتباه بكثرة الحديث، لكن أفعالهم تقول الكثير. من بينهم أولئك الذين يختارون أن يتعلّموا ذاتيًا، بعيدًا عن القاعات التدريبية أو البرامج الرسمية، وفي أوقات لا يُطلب منهم فيها شيء. هؤلاء لا يسعون وراء شهادة، ولا ينتظرون توجيهًا مباشرًا، بل ينطلقون من قناعة صادقة بأن التطوير مسؤولية شخصية قبل أن يكون مطلبًا مؤسسيًا.
لا ينبغي الاستهانة أبدًا بموظف يمارس التعليم الذاتي. فبينما ينتظر البعض فرص التدريب، يكون هو قد بدأ بالفعل في بناء نفسه، خطوة بخطوة. يقرأ، يتأمل، يجرّب، ويُراجع فهمه لمجاله. هذا السلوك لا يعكس حبّ التعلّم فقط، بل يكشف عن قيم إنسانية وقيادية عميقة؛ مثل الانضباط، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، والرغبة الصادقة في النمو.
التعليم الذاتي في جوهره ليس مجرد اكتساب مهارات جديدة، بل هو تدريب يومي على قيادة الذات. الشخص الذي يدير تعلّمه بنفسه يتعلّم كيف ينظّم وقته، ويعترف بنقاط ضعفه، ويبحث عن طرق لتحسين أدائه دون انتظار توجيه أو إشراف. وهذه صفات لا تظهر فجأة مع منصب قيادي، بل تتكوّن بهدوء مع الزمن.
من منظور إنساني، الاستثمار في الذات هو رسالة صامتة لكنها واضحة. رسالة تقول: أنا أتحمّل مسؤولية تطوّري. وعندما يختار الموظف أن يطوّر نفسه بإرادته، فإنه يعبّر عن استعداده لتحمّل مسؤوليات أكبر، والتعامل مع تحديات أعقد، والمشاركة بفاعلية في صناعة التغيير لا الاكتفاء بالتكيّف معه.
لهذا، على القادة أن ينظروا إلى التعليم الذاتي بعين مختلفة. لا كجهد فردي معزول، بل كمؤشر حقيقي على رأس مال بشري واعد داخل فرقهم. الاعتراف بهذا الجهد، وتشجيعه، وتهيئة بيئة تحترم النمو الذاتي، هو استثمار طويل المدى في قادة المستقبل.
في النهاية، المؤسسات لا تتقدّم بالأنظمة وحدها، ولا بالخطط فقط، بل بالبشر الذين يختارون أن ينموا من الداخل. والتعليم الذاتي يظل أحد أصدق المؤشرات على أولئك الذين تعلّموا كيف يقودون أنفسهم… قبل أن يُطلب منهم قيادة الآخرين.
#التعليم الذاتي كأحد مؤشرات الجاهزية القيادية
" القائد لا يُولد في الاجتماعات…
بل في لحظات التعلّم الصامتة "
الأستاذ عايض بن حامد العنزي

أبدعت
ردحذف