حين يبدأ التغيير بسؤال !
في أسبوعه الأول، لم يسعى المعلّم محمد إلى تغيير الجداول أو تعديل المناهج. اختار أن يراقب. لاحظ أن استهلاك المياه والطاقة في المدرسة يتم دون وعي كافٍ؛ فبعض الأنوار تُترك مضاءة دون حاجة، والمياه تُهدر أثناء الاستخدام. كما لاحظ وجود هدر في الطعام والنفايات دون محاولات جادة لإعادة الاستخدام أو التدوير ولاحظ أيضاً أن البيئة المدرسية تحتاج إلى عناية أكبر. كانت النباتات قليلة، ولا يشارك الطلاب في الاهتمام بها أو فهم دورها في حماية البيئة.تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس نمط تفكير أوسع. لم يُلقِ المعلم محمد محاضرة، ولم يرفع لافتات توعوية، ولم يستخدم لغة الوعظ.
بدلًا من ذلك، خصّص عشر دقائق في نهاية إحدى الحصص، ونظر إلى طلابه بهدوء وقال:
«لو استمرت هذه العادات عشر سنوات… كيف ستبدو مدرستنا؟ وكيف سيبدو مجتمعنا؟»
ساد الصمت. لم يكن الطلاب معتادين على هذا النوع من الأسئلة. لم يكن سؤالًا له إجابة نموذجية، بل دعوة للتفكير. بدأ البعض يتحدث بتردد، ثم توالت الأفكار. أدركوا للمرة الأولى أن السلوك اليومي البسيط يمكن أن يصنع أثرًا طويل المدى.
في الأيام التالية، لم يقدّم محمد حلولًا جاهزة. فتح المجال أمام التفكير الناقد، وطلب من الطلاب ملاحظة ممارساتهم اليومية داخل المدرسة. لم يكن الهدف المحاسبة، بل الوعي. سجّلوا ملاحظاتهم، ناقشوها، واختلفوا في تفسيرها.
ثم انتقل إلى مرحلة التفكير الإبداعي. طُلب من الطلاب اقتراح أفكار بسيطة لمعالجة الهدر، وتحسين استخدام الموارد، وتعزيز التعاون داخل الصف. لم تكن الفكرة في كمال الحل، بل في امتلاك الجرأة على التفكير والمبادرة. شعر الطلاب أن أفكارهم مسموعة، وأن دورهم يتجاوز التلقي.
تحوّل الصف تدريجيًا إلى مساحة تعلّم تعاوني. تشكّلت فرق صغيرة، لكل فريق دور ومسؤولية. ناقشوا، خططوا، أخفقوا أحيانًا، ثم أعادوا المحاولة. تعلّموا أن الحلول المستدامة لا تُبنى فرديًا، بل تنمو عبر الحوار وتكامل الأدوار.
وفي نهاية كل أسبوع، خصّص محمد وقتًا للتأمل. جلس الطلاب بهدوء، وكتبوا:
ماذا تعلّمنا؟ كيف تغيّر تفكيرنا؟ وما مسؤوليتنا القادمة؟
كان هذا التأمل مساحة لإعادة المعنى، وربط التعلّم بالذات. ومع الوقت، تحوّلت الاستدامة من نشاط عابر إلى وعي داخلي وسلوك يومي.
بدأ أثر هذا التحوّل يظهر خارج الصف.حوارات أكثر نضجًا، واهتمام متزايد بالمسؤولية تجاه المدرسة والمجتمع ، المشاركة في مبادرات بسيطة مثل حملات النظافة، وزراعة النباتات، وترشيد الاستهلاك. هذه الممارسات اليومية، وإن بدت صغيرة يمكن أن تُسهم في بناء وعي بيئي وسلوك مستدام لدى الطلاب يمتد أثره خارج أسوار المدرسة . لاحظت إدارة المدرسة هذا التغيّر، رغم أنه لم يكن مشروعًا رسميًا أو برنامجًا معلنًا، بل ثقافة تعليمية جديدة تتشكّل بهدوء.
وفي أحد لقاءات أولياء الأمور، قال أحد الآباء::
««لم يخبرنا ابني فقط بما تعلّمه، بل سألنا: ماذا سنترك بعدنا ؟»
عندها أدرك المعلم محمد أن التنمية المستدامة لم تبدأ بمشروع أو ميزانية، بل بثقافة:
ثقافة السؤال،
وثقافة المسؤولية،
وثقافة ربط التعلّم بالحياة.
وفي نهاية العام الدراسي، تغيرت المدرسة كثيرًا، بعد تغيّر وعي من فيها. حيث أدرك الطلاب أن التنمية المستدامة ليست درسًا يُحفظ، بل طريقة تفكير وحياة، وأن الأسئلة العميقة هي أول طريق بناء الإنسان وأن التعليم الحقيقي هو الذي يبني:
مجتمعًا حيويًا بسلوك واعٍ،
اقتصادًا مزدهرًا بعقول تفكر ومسؤولة،
وطنًا طموحًا بإنسان مسؤول يدرك أثره… اليوم، وغدًا،
✍️ أ. عايض بن حامد العنزي

شكرا لك أستاذ عايض
ردحذفمقال ملهم ورائع وجدير بالنشر في الأوساط التعليمية. اختصرت بهذا المقال المختصر دورات وشروحات . اتمنى أن يلقى أثره.
مقال ملهم ورائع وجدير بالنشر في الأوساط التعليمية. اتمنى ان يلقى أثره
ردحذفشكرا لك استاذ عايض
مقال جميل ودرس تربوي جميل شكرا لك
ردحذفالأستاذ الفاضل عايض بن حامد العنزي السلام عليكم ورحمة الله
ردحذفقصتك رائعة وعميقة. أعجبتني جدًا طريقتك في جعل التغيير يبدأ من سؤال هادئ وتأمل بسيط، لا من محاضرات أو برامج كبيرة.
أجمل ما فيها انتقال الطالب من «ماذا أتعلم؟» إلى «ماذا سنترك بعدنا؟».. هذا هو جوهر التربية الحقيقية.
شكرًا لك على هذا التذكير الجميل: أعظم ما يصنعه المعلم هو إيقاظ الوعي والمسؤولية بهدوء وثبات.
دمتَ مؤثرًا وملهمًا.
مع خالص التقدير أخوك/ عبدالعزيز الجربوع
الأثر البسيط مع عامل الزمن يجعل الأثر واضح و جلي ... شكراً أستاذ عايض على هذه المقالة الرائعة
ردحذفرائع
ردحذف